يحيي بن حمزة العلوي اليمني

162

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

فما هذا حاله في المديح ، من التفريط والإهمال والتضييع الذي لا يمدح بمثله بحال ، لما فيه من مقابلة الممدوح بأقبح الأسماء ، وأسوإ الصفات وكقوله أيضا يمدح رجلا : ما زال يهذى بالمكارم والعلا * حتى ظننا أنه محموم « 1 » وكقوله أيضا : أنت دلو وذو السماح أبو مو * سى قليب وأنت دلو القليب فما هذا حاله من المدائح التي نزلت في الركة وكانت معدودة في التفريط البالغ ، ومن أمثلة التفريط ما قاله البحتري يمتدح الفتح بن خاقان في قصيدته المشهورة ويذكر فيها لقاءه للأسد وقتله له : شهدت لقد أنصفته حين تبترى * له مصلتا عضبا من البيض مقضبا فلم أر ضرغامين أصدق منكما * عركا إذا الهيّابة النّكس كذّبا « 2 » فقوله : إذا الهيابة النكس كذبا . ليس فيه مدح ، وقد فرط في إيراده مدحا لهذا الرجل ، وكان الأخلق بالمدح أن يقول ، إذا البطل كذب ، لأنه الأمدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفر منه الجبان ، إذ لا فضل في مثل هذا ، وإنما الفضل فيما قاله أبو تمام : فتى كلما ارتاد الشجاع من الردى * مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا ومن التفريط ما قاله بعض الشعراء : وتلحقه عند المكارم هزة * كما انتقض المحموم من أم ملدم فهذه الأمثلة كلها من المدائح التي وقع التفريط فيها ولا يجوز استعمالها ، فالمعنى فيها وإن كان حسنا جيدا ، ولكنه لأجل العبارة كان مستقبحا مسترذلا ، تعافه الطباع ، وتمجه الأسماع ، وليس من التفريط شيء في كتاب الله تعالى : ، ولا في السنة النبوية ، ولا ورد فيه شيء من كلام أمير المؤمنين ، حراسة من الله تعالى : لها وكلاءة منه عنها ، فأين ما ذكره هذا الشاعر مما قاله ابن الرومي يمدح أقواما : ذهب الذين تهزهم مدّاحهم * هزّ الكماة عوالي المرّان كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم * فالأريحية منهم بمكان

--> ( 1 ) في ديوانه ص 283 . ( 2 ) البيت الأخير في المصباح ص 257 ، ديوان البحتري ص 200 ، 201 . المثل السائر : ح 2 / 322 .